مناع القطان

258

مباحث في علوم القرآن

السابقين بآيات كونية تبهر الأبصار ولا سبيل للعقل في معارضتها . كمعجزة اليد والعصا لموسى ، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه لعيسى ، كانت معجزة محمد صلّى اللّه عليه وسلم في عصر مشرف على العلم معجزة عقلية تحاج العقل البشري وتتحداه إلى الأبد ، وهي معجزة القرآن بعلومه ومعارفه ، وأخباره الماضية والمستقبلة ، فالعقل الإنساني على تقدمه لا يعجز عن معارضته لأنه آية كونية لا قبل له بها . ولكن عجزه لقصوره الذاتي ، فيكون هذا اعترافا منه بأنه وحي اللّه إلى رسوله ، وأن حاجته إلى الاهتداء به ماسة ليستقيم عوجه ، وترقى مواهبه . وهذا المعنى ، هو ما يشير إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في قوله « ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا « 1 » » . وهكذا كتب اللّه لمعجزة الإسلام الخلود ، فضعفت القدرة الإنسانية مع تراخي الزمن وتقدم العلم عن معارضتها . والحديث عن إعجاز القرآن ضرب من الإعجاز لا يصل الباحث فيه إلى سر جانب منه حتى يجد وراءه جوانب أخرى يكشف عن سر إعجازها الزمن . فهو كما يقول الرافعي « ما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة ، وتعاوره من كل ناحية ، وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا ، ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا ، ومراما بعيدا » . تعريف الإعجاز وإثباته الاعجاز : إثبات العجز ، والعجز في التعارف : اسم للقصور عن فعل الشيء . وهو ضد القدرة » وإذا ثبت الاعجاز ظهرت قدرة المعجز ، والمراد بالاعجاز هنا : إظهار صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلم في دعوى الرسالة بإظهار عجز العرب

--> ( 1 ) رواه البخاري .